سيد محمد طنطاوي

448

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الآلوسي : قوله - تعالى - : * ( وبِالْحَقِّ أَنْزَلْناه وبِالْحَقِّ نَزَلَ . . ) * عود إلى شرح حال القرآن الكريم ، فهو مرتبط بقوله : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِه . . وهكذا طريقة العرب في كلامها ، تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى آخر ، ثم إلى آخر ، ثم إلى آخر ، ثم تعود إلى ما ذكرته أولا ، والحديث شجون . . . » « 1 » . والمراد بالحق الأول : الحكمة الإلهية التي اقتضت إنزاله ، والمراد بالحق الثاني : ما اشتمل عليه هذا القرآن من عقائد وعبادات وآداب وأحكام ومعاملات . . . والباء في الموضعين للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير القرآن الذي دل الكلام على أن الحديث عنه . والمعنى : وإن هذا القرآن ما أنزلناه إلا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه حكمتنا ، وما أنزلناه إلا وهو مشتمل على كل ما هو حق من العقائد والعبادات وغيرهما . فالحق سداه ولحمته ، والحق مادته وغايته . قال بعض العلماء : بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة ، أنه أنزل هذا القرآن بالحق ، أي : ملتبسا به متضمنا له ، فكل ما فيه حق ، فأخباره صدق . وأحكامه عدل ، كما قال - تعالى - : وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِه . . . وكيف لا ، وقد أنزله - سبحانه - بعلمه ، كما قال - تعالى - لكِنِ اللَّه يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَه بِعِلْمِه ، والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّه شَهِيداً . وقوله * ( وبِالْحَقِّ نَزَلَ ) * يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله ، لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوى لا يغلب عليه ، حتى يغير فيه ، أمين لا يغير ولا يبدل ، كما أشار إلى هذا - سبحانه - بقوله : إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 10 ص 187 . ( 2 ) أضواء البيان ج ص 575 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه اللَّه .